صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
14
تفسير القرآن الكريم
باللطيفة الربانية من جملة أجزاء الآدمي من سنخ الملكوت وعالم الغيب فيمكن له عند استكماله بالعلم والتجرد عن الدنيا أن يدرك بالبصيرة الباطنية خلائق عالم الملكوت الأعلى وحقائقها الغيبية وهم على مراتب متفاوتة ودرجات مختلفة . منها الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنس وهي التي سجدت لآدم ؛ ومنها الشياطين المتمرّدين عن الطاعة ، المسلطين على أفراد الإنسان ، إلا من أخلص للّه سبحانه ، وهي التي امتنعت عن السجود ؛ ومنها الملائكة السماوية ، وأعلى منهم الكروبيون وهم العاكفون حظيرة القدس ، الذين لا التفات لهم إلى هذا العالم لاستغراقهم في مشاهدة جمال الحضرة الربوبية وجلال الساحة الإلهية . واعلم أن إدراك أكثر الخلق مقصور على عالم الحسّ والتخيّل وهو النتيجة الأخيرة من نتائج عالم الملكوت والقشر الأقصى عن اللب الأصفى ، ومن لم يجاوز هذه الدرجة فكأنه لم يشاهد من الرمان إلا قشرته ، ومن عجائب الإنسان إلا بشرته . فإذا تمهّد ما ذكرناه من بيان أبواب القرآن وأقسامه - وأن الغرض من الجميع والمقصود الذي هو روح القرآن وسرّه ولبابه ، هو سياقة الإنسان إلى جوار رب الملائكة والإنس والجانّ - تحقّق وتقرّر أن لبعض آيات الكتاب العزيز فضيلة وشرافة على غيره منه وعلم حقيّة ما دلت عليه الأخبار والآثار النبوية والأحاديث المروية عن خير البرية عليه وآله الصلوات الزكية والتسليمات المرضية ، الدالة على شرف بعض السور على بعض من قوله صلّى اللّه عليه وآله : « فاتحة الكتاب أفضل القران » « 1 »
--> ( 1 ) الدر المنثور : 1 / 5 .